القرطبي
260
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أيضا والضحاك : هو عائد على المؤمنين . وفي قراءة أبى : " مثل نور المؤمنين " . وروي أن في قراءته " مثل نور المؤمن " . وروي أن فيها " مثل نور من آمن به " . وقال الحسن : هو عائد على القرآن والايمان . قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله : " والأرض " . قال ابن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر ، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل ، فعلى من قال الممثل به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قول كعب الحبر ، ( 1 ) فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله ( 2 ) وهداه ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة هي الوحي ، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به ، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي . ومن قال : الممثل به المؤمن ، وهو قول أبى ، فالمشكاة صدره ، والمصباح الايمان والعلم ، والزجاجة قلبه ، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها . قال أبى : فهو على أحسن الحال يمشى في الناس كالرجل الحي يمشى في قبور الأموات . ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والايمان ، فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الايمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة ، أي كهذه الجملة . وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ، لان المشكاة ليست تقابل الايمان . وقالت طائفة : الضمير في " نوره " عائد على الله تعالى . وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي ، وقد تقدم معناه . ولا يوقف على هذا القول على " الأرض " . قال المهدوي : الهاء لله عز وجل ، والتقدير : الله هادي أهل السماوات والأرض ، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ، وروي ذلك عن ابن عباس . وكذلك قال زيد بن أسلم ، والحسن : إن الهاء لله عز وجل . وكان أبى وابن مسعود يقرأنها " مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة " . قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا ، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره قلب المؤمن ، وتصديقه في آية أخرى يقول : " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ( 3 ) ربه " [ الزمر : 22 ] . واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله عز وجل ، لان الله عز وجل لا حد
--> ( 1 ) الحبر ( بالفتح والكسر ) : العالم ذميا كان أو مسلما . وكعب الحبر ( بالكسر ) : منسوب إلى الحبر الذي يكتب به ، لأنه صاحب كتب . في ك : كعب الأحبار . ( 2 ) في ابن عطية : " من علمه " . ( 3 ) راجع ج 15 ص 246 .